جلال الدين الرومي
97
فيه ما فيه
المدينة الفلانية فهم لا يرون شيئا على صورته ، بل إن الأعمال تتعلق به ، ولذلك يسمونه بواسطتها عاملا . إذن فليس العمل كما يفهم الناس ؛ إذ يعتقدون أن العمل هو ظاهرة وحسب ، ولو أن منافقا أدى صورة العمل فما نفعه عمله ؛ لأنّه ليس فيه معنى الصدق والإيمان . أصل الأشياء جميعا هو القول والكلام وأنت تجهل القول والكلام بل تحقره . القول ثمرة شجرة العمل ؛ لأن القول يتولد من العمل . خلق الحق - تعالى - العالم بكلمة ( كن فيكون ) والإيمان وقر بالقلب ؛ فإذا لم تقله فلا نفع له والصلاة وهي فعل إذا لم تقرأ فيها القرآن ما صحت ، وحين تقول إنّ القول غير معتبر فإنك تقر نفى ما تقول ؛ لأن قولك : إن القول غير معتبر لم يسمع إلا بقولك وحين نسمع منك أن القول غير معتمد به أو معتبر فإنك تفصح عن رأيك هذا بالقول . سأل أحدهم حين نفعل الخير ونؤدى الصالحات فإذا عقدنا الأمل في الله وتوقعنا الخير والثواب فهل يضيرنا هذا ؟ قال : إي والله لا بد من الأمل والإيمان ما هو إلا خوف ورجاء أو وأمل سألني أحدهم إن الرجاء بذاته مستحب ؛ فما معنى هذا الخوف ؟ فأجبته أظهر لي خوفا بلا رجاء أو رجاء بلا خوف ؛ فكيف سؤالك وهما لا ينفكان . مثلا : زرع أحدهم قمحا فإن لديه رجاء هو أن يطلع القمح وضمن ذلك يخاف أن يقع مانع أو تظهر آفة ، إذن فمعلوم أن الرجاء ليس هو الخوف ولا يمكن تصور الخوف بدون الرجاء أو الرجاء بلا خوف فإن كان يرجون من الله ويتوقعون ثوابه وإحسانه فلا مناص لهم من الجد والاجتهاد وأكثر في العمل . إن توقعهم ذاك هو الجناح للعمل كلما زاد قوة زاد ارتفاعا ولو أصابه القنوط أصابه الضعف ، ولم يتأت منه خير وطاعة من بعد . شأن من يشرب الدواء المر ويترك لذائذ حلوة عديدة إذا لم يكن يأمل الصحة فأنى له أن يتحمل هذه